چاپ
مجموعه: العربية
بازدید: 1860
الاسئلة : 

1- ما هو التعريف اللغوي و الاصطلاحي لكلمة (دكترين) و ما هي استعمالاتها؟
2- ما الفرق بين (دكترين) و مفاهيم اخري كالايديولوجيا، و المذهب، و النظام، و الخطاب؟ أية هذه التعابير بامكانها التعبير عن المهدوية بصورة افضل؟
3- ما المقصود بدكترين المهدوية و ما هو المعني المراد منها؟
4- ما هي منزلة دكترين المهدويه في التعاليم الاسلامية؟
5- هل دكترين المهدوية نظرية في فلسفة التاريخ ام الفلسفة السياسية، أم المراد منها عقيدة كلامية؟
6- ما هو دور دكترين المهدوية في العالم المعاصر؟ و كيف يمکنها ممارسة دورها الي جانب بقية النظريات؟
7- هل بمقدور دكترين المهدوية الاجابة عن اسئلة الانسان و المجتعمات في شتي الميادين قبل عصر الظهور؟ 


بطاقات شخصية
حجة الاسلام و المسلمين الدكتور  نجف لك زايي
من الدارسين في الحوزة العلمية بقم و استاذ مساعد للعلوم السياسية في مؤسسة باقر العلوم للتعليم العالي، و رئيس تحرير فصيلة (العلوم السياسية) و رئيس قسم العلوم و الافكار السياسية في مركز ابحاث العلوم و الثقافة الاسلامية . 

الدكتور بهرام اخوان كاظمي، دكتوراه في العلوم السياسية (منحي الافكار السياسية ) في جامعة طهران (1998 م) و ماجستير في فرع المعارف الاسلامية و العلوم السياسية من جامعة الامام الصادق (1991) و يعمل استاذاً مساعداً فی کلية الحقوق و العلوم السياسية بجامعة شيراز منذ 2000 م. فضلا عن مسؤولياته التنفيذية في هذه الكلية ، فان له سوابقه الادارية البحثية في جامعة الامام الصادق، و مركز الابحاث الاستراتيجية ، و منظمة الاعلام الاسلامي ، و الاذاعة و التلفزيون، و محافظية طهران و ... . و بالاضافة الي عضويته في هيئة تحريرالعديد من المجلات العلمية، فقد كتب سبعة كتب ( اثنان منها تحت الطبع) و اكثر من ستين دراسة علمية متخصصة ، و شارک و قدم بحوثاً في اكثر من 35 مؤتمرأ علمياً.
 

حجة الاسلام و المسلمين رحيم كارگر ماجستير في العلوم السياسية و دارس في الحوزة العلمية بمدينة قم. و هو باحث و كاتب و من اساتذة مركز المهدوية المتخصص. 

صدرت له العديد من الكتب و البحوث منها كتاب : مستقبل العالم ( الدولة والسياسة في فكرة المهدوية ) و بحث : الانتظار و الثورة، و بحث : العولمة و الحكومة العالمية للمهدي المنتظر و... . 


ما هو التعريف اللغوي و الاصطلاحي لكلمة ( دكترين) و ما هي استعمالاتها؟ 

د.
نجف لك زايي:
مفردة دكترين Doctrina يمكن التعبير عنها بكلمات من قبيل فكرة ، وسياسة ، و مذهب ، و عقيدة ، و الاصول و القواعد المقبولة من قبل فرد أو جماعة أو أمة. كل نظام فكري يمكن ان يسمي المنهج أو الفلسفة التي يتخذها اساساً لممارساته (دكترين) . وهكذا يمكن التحدث عن دكترين المهدوية.
 
كما ان تعابير اخري من قبيل فكرة المهدوية، و عقيدة المهدوية ، و النظام الفكري المهدوي، و المذهب السياسي – الفكري المهدوي صحيحة ايضاً . ولكن من الضروري التنبه الي أن مجرد استخدام مفردة(دكترين ) لن يزرع اي اختلاف أو فوارق عما لواستخدمنا عبارة مفهوم المهدوية . المهم هو ان نرتقي فعلا بالفكرة المهدوية الي مستوي الدكترين و نطرحها ضمن اطار الدكترين. و في هذه الحالة لابد من اعداد مستلزمات معينة منها الواقع الحالي لفكرة المهدوية، معرفة الآفات والاخطار التي تهدد هذا الواقع، و محاولة التصدي لهذه الاخطار ، تشخيص الفرص و المخاطر امام فكرة المهدوية علي المستوي العالمي، و التعرف علي نقاط قوة و ضعف المدارس الفكرية في العالم ، و رسم الابعاد المختلفة لفكرة المهدوية لاسيما في المجال الثقافي و السياسي و الاقتصادي ، و تقديمها في أطر ملموثه و تطبيقية محددة ، و تعليم و تبليغ هذه الفكرة بين شتي الشرائح و الاعمار في مختلف الانحاء الجغرافية و باستخدام وسائل فنية و اعلامية متنوعة . و الخلاصة هي ان «دكترين» تعيني الفكرة و المذهب و القواعد و النظرية التي تتابع لأجل تحقيقها. 

د. بهرام اخوان كاظمي :
مفردة دكترين Doctrina في اللغة الايتنية هي التعليم و العلم . و قد تطرقت كلمة Doctrina بتلفظ و املاء و معني مماثل الي لغات اخري كالابخليزية و الفرنسية . فمثلاً دخلت هذه الكلمة اللغة الفرنسية 1160 م. بمعني العلم و المعرفة ، و جذرها في هذه اللغة من كلمة Docere بمعني التعليم. و قد ترجمت (دكترين) في‌الفارسية (آموزه) بمعني ( تعليمة ) مفرد كلمة تعليم أو (تعليمات).
رغم انها ترجمت في القواميس العامة الي: اصول العقيدة و مجموعة العقائد لدي اتباع مدرسة معينة ، و الاقتراحات . و ذكروا لها في قواميس اللغات الاجنبية مترادفات من قبيل الجزميات، و النظرية ، و الافكار، و النظام ، و الاطروحة، و المذهب و الفلسفة ، و لكن ربما امكن ذكر عدة تعاريف لكلمة (دكترين) تعبر في الواقع عن استخداماتها:
1- مجموعة المفاهيم التي تؤكد علي صدقها، و تدعي علي صعيد الميادين العملية و ممارسات الحياة الانسانية ، تقديم التفاسير اللازمة و النماذج الضرورية لهداية و ادارة هذه الحياة.
 
2- مجموعة الآراء و المعتقدات و الادوات و الطرق و التعليمات التي تقدم تفاسير استراتيجية للميادين الرئيسية في الحياة البشرية علي الاصعدة النظرية و العملية من اجل توفير حياة فردية و اجتماعية افضل و ادارتها بنحو اجدي. 

مجموعة الافكار و المعتقدات ، هي التي تمثل المذهب الادبي أو الفلسفي أو الاصول الحاسبة في المدرسة أو المذهب. و بامكان(الدكترينات) ان تقدم علي المستويات الدينية و الفلسفية و الاخلاقية و الفنية و الادبية و السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية و ... الخ. 

حجة الاسلام رحيم كارگر:
دكترين Doctrina في قواميس اللغة و المصطلاحات السياسية بمعني العقيدة ، و اصول العقيدة ، و النظرية ، و التعليم ، و المدرسة ، و المذهب ، و المبدأ السياسي ، و النظرية ، و التعليمة ، و اصول (عقائد) التعليمات، و التعاليم و ... الخ.
و قد وردت في القواميس الفارسية بمعني: النظرية ، الفكرة ، التعليمة ، المسلك، العقيدة ، الرأي ، المذهب و.... الخ. 

اولاً : للدكترين استعمالات و مفاهيم متنوعة و متعددة ، الاّ ان استعمالها الاهمّ يرد في البحوث السياسة و العلاقات الدولية ، فتطلق هذه الكلمة علي «المبادي و النظريات و االعتقدات السياسة لاحدي الشخصيات السياسة » أو «منهج تفكير و مسلسل الساسة في الشؤون السياسية ». و دكترينات رؤساء جمهورية امريكا من اشهر التعليمات و النظريات المطروحة علي الساحة الدولية و التي كان لها تأثيرات مهمة في التطورات السياسية، و منها دكترين مونرو ( 1823) و دكترين ترومن ( 1947 ) و دكترين ايزنهاور (1957 ) و دكترين نيکسون ( 1969 ) و دكترين كارتر( 1980 ) و دكترين ريغان و .. الخ و هكذا ، فالدكترين لاتطلق عادة علي مجموعة الخطوات و المنهج السياسي للشخصية السياسية الذي قد يشبه منهج من سبقه و من يلحقه من الشخصيات – و انما تطلق علي جزء من خطواته و سياساته تكون ذات طابع ابتكاري و تترك تأثيرات مهمة. 

ثانياً : بمعني أعم و أوسع فان دكترين هي «مجموعة من النظام الفكري تبتنی علي اصول معينة »
و تطلق دكترين ايضاً علي مجموعه العقائد و الافكار و النظريات التي يحملها اتباع رؤية أو نزعة معينة في المجال الحقوقي أو السياسي أو الادبي أو الفلسفي أو العلمي . 

تكتنف الدكترين مبادي العقيدة الجزمية و التصورات الذهنية الراسخة . و احياناً النظام الفكري و الديني الخاص دكترين ذلك النظام الفكري و الديني ، مثل دكترين بقاء الروح و بعض الدكترينات الحقوقية و السياسية و الاقتصادية ( مثل دكترين تصدير الثورة و ... ). 

و هي كذلك «مجموعة العقائد المطروحة لتسويغ و بيان و تفسير قواعد معينة (سياسية مثلآً) من قبل العلماء المتخصّصين».
 
ثالثاً: تستخدم كلمة دكترين بمعني سلبي احياناً ، و في هذه الحالة فانها تعبر عن معتقدات جامدة و متصلبة لفئة سياسية معينة. و المعني الآخر لهذه المفردة مستخدم بصيغة الصفة و عندها سيكون ذا طابع ساخر لاذع، فيقال مثلاً أن سلوك الشخصية السياسية الفلانية كان«دكترينر» بمعني انه كان سلوكاً مدرسياً تعليمياً ( و يقال دكترينر ايضأ للشخص الذي يرعي رؤية أو منجی معيناً و يروج له). 

رابعاً: بالنظر لما مربنا ذكره لحد الآن، يمكن استخدام الدکترين بمفهومين متمايزين: 

الف - «النظرية و التعاليم العلمية ، الفلسفية، السياسية، الدينية، و مجموعة من النظم الفكرية القائمه علي اساس مبادي معينة».
ب - «تنظيم اصول تحدد الحكومات (بواسطة رئيس الحكومة ) منهجها – لاسيما في العلاقات الدولية – و فقاً لها».
و التعريف الثاني اعلاه مستخدم بصورة اوسع و اشهر قياساً الي التعريف الاول . بيد أن المراد في هذا البحث هو التعريف الاول لكلمة دكترين.

ما الفرق بين (دكترين ) و مفاهيم اخري كلا يد يولوجيا، و المذهب ، و النظام ، و الخطاب ؟ و أية هذه التعابير بامكانها الايماء الي المهدوية بصورة افضل؟ 

د.
نجف لك زايي:
دكترين ذا طابع مرن و غامض الي حدمّا.و حين نقول مرن نقصد انها تستخدم بابعاد و اسعة و رحبة ، و ايضاً بابعاد جزئية خاصة . فمثلاً حين نتحدث عن دكترين ترومن، و دكترين كارتر، و دكترين نيكسون ، فاننا نتحدث في الواقع عن تعليمة و منهج محدد يحفي احداثاً معينة . و لكن عندما نتحدث عن دكترين المهدوية فحديثنا يدور حول تعليمة واسعة و شاملة . و بالطبع فان استخدام دكترين في العلوم السياسية ذو طبيعة جزئية و محدودة و ميدانية يعبر عن منهج و نظرية محدّدة و معروفة. من هنا يتاح القول أن دكترين المهدوية بين التعاليم الاسلامية أو بيني نظريات الخلاص و نهاية التاريخ و السمتقبليات تعد تعليمة و نظرية محدّدة و واضحة المعالم. مصطلحات مثل «مدرسة، و ايد يو لوجيا، و نظام » اوسع عادة من مصطلح دكترين. اما مصطلح «الخطاب» فهو مشترك لفظي بين التصورات المختلفة . اذا قلنا خطاب المهدوية و كان قصدنا مجموعة فكرية أو نواة مركزية لها دالاتها المحيطية ، فستكون هذه المفردة مرادفة لدكترين، و لا اري اشكالأ في استخدامها بهذا المعني. كما تتسني الاستعانة بمفردات النظام و المذهب للتعبير عن المهدوية ، بيدان استخدام كلمة الايد يولوجيا غير مجند لأن المناخ الدولي يميل فوراً الي معناها الماركسي و هو «الوعي الكاذب». 

أما اية التعابير افضل من غيرها للدلالة علي مفهوم المهدوية فأمر يتعلق بهدفنا. اذا اردنا تعريف الفكرة المهدوية في اطارها العملي فسيكون تعبير«دكترين المهدوية » افضل. اما اذا اردنا تبيين هذه الفكرة و اجلاء حدودها و مدياتها فان مفردتي الخطاب و المذهب افضل.
 
د . بهرام اخوان كاظمي: 
بداية لابد من التنبيه الي ان من مشكلات البحوث و المصطلاحات في العلوم الانسانية، الافتقار الي تعاريف نهائية و مجمع عليها للمفردات و المفاهيم و المصطلاحات ، الي درجة أن بعضي المصطلحات مثل «القوة» نحتالها قرابة مئة و خمسين تعريفاً . و بالاضافة الي عدم اليقين في معاني المفردات، فان هذه التعاريف يمكن ان تسحب علي بعضها في بعض الحالات أو في كثير من الحالات فتكون مترادفة من حيث المعني. لذلك قد نواجه مشكلات و اختلاط معنوي عند فرز معني مصطلح دكترين عن مفاهيم نظير الايد يولوجيا، و المذهب ، و النظام، و الخطاب، لكن ما يمكن الجزم به علي كل حال هو ان دكترين ليست مرادفة لهذه المفاهيم رغم وجود بعض مواطن الشبه. من بين هذه المفاهيم تتمتع الايديولوجيا بمعنان جد واسعة ، بل ان كثيراً من التعاريف جهلت لايد يولوجيا مشتملة علي الدكترين و اعم منها، و اكدت وجود علاقة (عموم و خصوص من جه) بينهما، فقيل في تعريف الايد يولوجيا مثلاً: 

1- مجموعة من الآراء و المعتقدات و الدكترينات الخاصة بدورة زمينة معينة ، أو مجمتع معيّن، أو طبقة اجتماعية معينة.
2- منظومة من الآراء و الفلسفات تتعلق بالعالم و الحياة.
و طبعاً توجه تعاريف اخري تعتبر الايد يولوجيا جزءاً من الدكترين، و من ذلك: 

الايد يولوجيا مجموعة منظمة من الآراء تصنع الدكترين. و من التعاريف و الايضاحات الاخري لاليدويولوجيا:
1- فلسفة سياسية و اجتماعية و نظام من الافكار تحمل صورة مثالية للمجتمع ، و تحاول تفسير العالم و تغييره، و تطالب اتباعها بهذا التغيير.
2- الايد يولوجيا علي حد تعبير ماركس «وعي كاذب » و مجموعة منه المعتقدات غير الواقعية تنم عن مطاليب و منافع طبقة اجتماعية معينة، و ترسم صورة غير صائبة للعالم و الأمور. و عن طريق هذا الوعي الكاذب و المعتقدات الخاطئة، يخدع الناس انفسهم ، و يخدعون ايضاً من قبل الطبقات المتغلبة و المستثمره. 

3- الايديولوجيا مجموعة من التجليات الذهينة تظهر بمعية انبثاق علاقات معينة بين الافراد، و تتكون في وعي الانسان عن طريق تحفيز الحواس بواسطة الواقع الخارجي. 

4 – الايد يولوجيا احوال من الوعي ذات صلة بالفعل السياسي ، و هي تطلق تقريباً علي تلك الصور من الوعي التي تشكلت علي هيئة مفردات أو كلام (discus,) discourse هذا مع ان الايديولوجيا ليست في اساسها مجرد كلام و اقوال، و انما نواة غير كلامية لها حالة وجودية كلامية، لذلك يقال ان الايديولوجيا كلام يبتني علي الفعل السياسي.
تدل هذه التعاريف علي ان الايديولوجيا و رغم بعض القواسم المشتركة مع الدكترين الا انها ليست الدكترين علي وجه التحديد. و هي الي ذلك ليست مفردة مناسبة التعبير عن المهدوية ، ذلك ان الايديولوجيا من الناحية القيمية ليست الصائبة بالضرورة أو خاطئة، انما بوسعها فقط أن تكون ناججة أو غير ناججة ، منسجمة أؤ غير منسجمة . بالامكان نقد الايديولوجيا في ضوأ عدم جدواها و عدم تناسقها فقط. اضف الي ذلك انهم يستخدمون اليوم مصطلح الايديولوجيا للتعبير عن مجموعة معه الافكار المنظمة المغلقة و الطبقية و الجزمية و ما شاكل ، فيعتبرونها حالة غير قيمية و انما عملية فحسب. و من هؤلاء «جون بشلر » في كتابه« ما الايديولوجيا» حيث يعدد خمسا وظائف الايديولوجيا هي التعبئة أو التجنيد، و التسويغ أو التدبير، و التكتم (و هو ضرب من الاحتيال السياسي لخداع الآخرين)، و اتخاذ المواقف، و التلقی أو الادراك . و. الايديولوجيا من هذا المنظار اداة في يد الفعل السياسي ، فهي تسهل الفعل السياسي خصوصاً عبر عملية « التلقي و الادراك» و تستوعب المجمتمع كله في داخلها و تتجه نحو المستقبل.
 
اما بخصوص المدرسة أو المذهب ( School, Ecole) و فرقهما عن الدكترين فيجب القول ان مفردة المدرسة تبدو أعم بكثير من اصطلاح الدكترين و حتي الايديولوجيا ، لأن بمستطاع المدرسة ان تستوعب في داخلها الحديد من الدكترينات و الايديولوجيات و الخطابات. 

المدرسة في الواقع تشير الي دائرة تقوم علي اساس خاص و لها مناهجها و تعاليمها و اتباعها بشكل خاص، غير أن اساس هذه التعاليم و الاساليب سواء علي الصعيد النظري أو العلمي يدور حول محور خاص واحد.
 
كما يمكن لمصطلح الدكترين أن يشترك بمساحات معينة مع مصطلح النظام (ouder – ordre) رغم انهما ليسا مترادفين. قيل في تعريف النظام ان المجتمع حينما يقدم حلولاً لمشكلة توزيع البضاعات النادرة ( السلطة ، الثروة ، المكانة ، و...) و انتخاب المؤسسات والقيم ، فقد تكون هذه الحلول حجة أو غير ناحجة ، متناسقة مع بعضها أو غير متناسقة ، بيد أن مجموعة هذه الحلول يمكن أن تسمي «نظاماً» و كل نظام يمكن ان يتضمن دكتريناٌ واحدة أو عدة دكترينات كما ان الدكترين بوسعها أن تعزو نفسها الي نظام سياسي ، و اجتماعي، و فكري.
و الخطاب (discus) ايضاً سواء من حيث تعقيد معناه أو من الناحية الكمية و النوعية ليس بأعم من الدكترين ، انما يمكن للدكترين عادة الانتهال من عدة خطابات، ذلك ان الخطاب يعني الحوار المتقابل و تبادل الآراء و المحاورة علي اساس الاستدلال.
 
ولكن، يبدو أن ايأ من هذه المصطلحات و التعابير لايمكنها التعبير عن الفكرة المهدوية بالتمام و الكمال و بنحو صحيح، و الافضل استخدام تعابير اسلامية و قرآنية لهذا الغرض و اجتناب المصطلاحات الغربية مثل دكترين. و ربما كانت تعابير من قبيل: الحياة المهدوية الطيبة ، أو الحياة الطيبة في زمن المهدي، النظام أو الحكومة العالمية للمهدي المنتظر، النهضة أو الاصلاح العالمي للامام المهدي، انسب و افضل. ان الاستعانة بمصطلح دكترين الغربي فضلاً عن عدم كفاءته في التعبير عن المعني ، توحي بخط من «التحديث البياني المتوازن» و تسمية تفرضها روح العصر، مضافاً الي انها تهبط بفكرة عظيمة كالمهدوية الي مستويات دانية ، فانهم اليوم و لأجل الاشارة الي الاساليب السياسية أو افكار فلان من المفکرين أو رؤساء الجمهوريات ، يستخدمون عادة كلمة دكترين ، كدكترين مونرويد، و ايزنهاور، و نيسكون ، و برجنسيكي ، و برجنيف ، و تعادل القوي و .... الخ. 

علاوة علي ذلك، فان الطابع المحايد لمفهوم الايديولوجيا و اتساع رقعة استخدمها السلبي ، يجعل من غير المناسب استخدامها لالاشارة الي المهدوية. اما بخصوص مفردة «المدرسة » في رغم انها لاتحمل اية صبغة سلبية و تستعمل حتي للاشارة الي الاديان الالهية ، و لكن حيث ان الامام المهدي لن يأتي بدين جديد أو مدرسة جديدة ، انما يكمل المدرسة النبوية و العلوية و يبلغ بها غايتها النهانية، أي انه في الحقيقة ميحيي الاسلام، لذلک لا يمكن تسمية المهدوية بالمدرسة أو انها ستكون علي الاقل تسمية غير مناسبة ، اذن الحجة المنتظر هو مجدد الدين و المصلح و المحيي الاسلامي الكبير، و ليس واضع مدرسة جديدة . انه من سيزيل الخرافات و الحشور و الزوائد عن الاسلام و يحرر الاسلام النبوي العلوي من غربته و عزلته و يعيد له الحياة ثانية.
مصطلحا النظام و الخطاب ايضاً يفتقران للتوصيل اللازم في التعبير عن الفكرة المهدوية ، هذا رغم ان كلمة (النظام) تتمتع من بين كل تلك المفردات بجدارة اكبر في هذا المضمار و يمکن التعبير بها عن الحكومة العالمية أو الفكرة المهدوية بأضافة كلمة«الطيبة» القرآنية فنقول«النظام المهدوي الطيب». 

حجة الاسلام رحيم كارگر:
 الف ) الايديولوجيا : تتشكل كلمة الايديولوجيا في الفرنسية من كلمتي idée بمعني التصور أو الفكرة ، و Logie بمعني المعرفة . و هي من المفاهيم الصعبة في العلوم الاجتماعية ، و مع ذلك فهي كثيرة الاستعمال . انها مفهوم له الكثير من المعاني الفرعية سواء في البحوث العلمية أو في المحاورات اليومية . و كان دوتراس الفرنسيي أول من وضع هذه المفردة. 

عرفت الايديولوجيا في الادبيات السياسية و معه الزاوية اللغوية بمعني العقيدة أو الرؤية السياسية. و اطلقها فريق منه الباحثين علي مجموعة الافكار التي تتناول الحياة و المجتمع أو نظام الحكم، و التي تغدو بمرور الزمن و كثرة الاستخدام عقيدة راسخة و ميزة واضحة لجماعة أو حزب معين. و ببيان ادق: «الايديولوجيا عبارة عن نظام فكري و عقيدي يمكن تطبيقه علي الواقع الخارجي». 

و من وجهة نظر اندروهي‌وود: «الايديولوجيا هي مجموعة العقائد التي توفرمادة اوليّة لعمل سياسي منظم أو لخطوة سياسية معينة».
و تكتنف الايديولوجيا معرفة مجموعة من الافكار السياسية و الحقوقية و الاقتصادية و الفلسفية و الدينية و الاخلاقية ، كلايد يولوجيا الاسلامية ، و الا يديولوجيا المسيحية، و الايديولوجيا الماركسية ... الخ( رغم رأي البعض بأن استخدامها للاسلام غير صائب). 

يري الدكتور آراسته‌خوأن : «فرق الدكترين عن الايديولوجيا هو أن الدكترين مجموعة منه العقائد تطلق منعه قبل فرد أوجماعة ، امّا الايدولوجيا فهي مجموعة عقائد تصاحبها ممارسات عملية. ليس للدكترين ضمانة تنفيذية ، لكنها تؤثر في الآراء و المعتقدات. 

و في الدكترين تمتزج اصول العقيدة بالتصورات الذهنية» .( يصح هذا الفرق في حال لم نأخذد الدكترين بمعني الخطط و المنهج الذي تتبعه شخصية اساسية معينة). 

و قد كان للايديولوجيا معان و تفرعات عديدة ، و لكنها غالباً ما تشتمل علي معني سلبي يتفق مع افكار الآخرين لامع الافكار المحلية . يري البعض – و لاسيما المارکسيين – أن الايديولوجيا غالباًٌٌ ما تستخدم لوصف الرؤية الكونية المهيمنة . ولا تزال الايديولوجيا تستخدم استخداماً مهيناًٌ يراد منه تبني رؤية ضيقة متعصبة قيمياً ، و هي بنحو أعم تعيني الوهم و الظنون و الخيال. بالنظر لهذا، لايمكن أن تكون الايديولوجيا مصطلحاً مناسباً للتعبير عن تعاليم( المهدوية ) رغم ان بعدها العملي يناسب هذه الفكرة لکن كلمة دكترين تفتقر للبعد العملي و الضمانة التنفيذيه. 

ب) المدرسة (school) : تطلق كلمة مدرسة علي المسلك المعرفي و النظام الفكري و الرؤية الكونية و مجموعة نظريات الشخصية العلمية ، أو السبيل الذي يختاره الانسان لنفسه. 

و المدرسة ايضاً هي مجموعة المفكرين و العلماء و الفنانين و الكتاب و سواهم عن تتلمذوا عند استاذ معيّن، أو المرتبطين ببعضهم نتيجة الوحدة في المنهج و الاصول (مثل مدرسة فرانكفورت). 

و المدرسة السياسية ( poitical school) تطلق في الاصل علي النظريات الخاصة بنطام الحكم و اسلوبي ادارة المجتمع. و المدرسة لها معني أعم واوسع من الدكترين ، و يمكن للمدرسة ان تكتنف في داخلها دكترينات متعددة . ففي اليبرالية مثلاً يمكن رصد دكترينات سياسية و اقتصادية و اجتماعية و.... تطرح لتعزيز اركان تلك المدرسة . بل ان المدرسة و فضلاً عنه كترينات تتضمن ايديولوجيا و نظريات و تعاليم مختلفة . و تستخدم كلمة مدرسة لمجموعة الافكار و النظريات التي تطرحها جماعة ذات افكار واحدة‹ و مسلك واحد، و الحال ان الدكتورنيات تبثق في داخل هذه المدارس و النظريات.
 
ج) النظام (System) : كلمة النظام مشتقة من الكلمة اللاتينية System و اليونانية Sustema بمعني المجموع و المجموعة و التجمع . انها ضرب من الكلية المتشكلة من اجزاء مترابطة ، و كذلك مجموعة منه الارتباطات . اضف الي ذلك ان النظام اشارة الي المؤسسة و التشكيلة التي تتعاطی مع المحيط بافعال وردود افعال ، اي انها تؤثرفيه و تتأئر منه. 

و المراد في هذه السطور هو : «النظام مجموعة الاصول المتناسقة و المتناسجة لكلية معينة و طريقة تشكلها و مضامينها».
النظام هو الاسلوب و هو ايضاً تموضع و ترتيب و تركيب الواقعيات الاجتماعية و الاقتصادية والسياسية و الثقافية و الحياتية و الطبيعية و ... 

يمكن للنظام ان يشمل دكترينات و تعاليم منسجمة و منسحبة علي بعضها ترمي الي هدف واحد. وقد تكون هذه التعاليم الاجزاء الداخلية (ولكن المتعددة ) لنظام معين.
 
د) الخطاب (discourse): الخطاب ظاهرة متعددة الوجوه و المعاني. و تشمل البحوث المتعلقة بالخطاب حقولاً متنوعة من العلوم الانسانية و الاجتماعية كعلم اللغات و الآداب و الفنون و نقد النظريات الاديبة و نقد النظريات الثقافيه او الاجتماعية ، و الفلسفة و السياسية و علم النفس و التحليل النفسي ، و علم الجمال و علم الاجتماع و التاريخ و الاقتصاد ، و الحقوق و ... الخ. 

ظهر الخطاب منذ عقد السبيعنات منه القرن العشرين فلاحقاً باشكال و قوالب مختلفة و اهم اسلوب فيه هو«التحليل الخطابي» الذي انبثق كأداة منهجيه جديدة في ساحة العلوم الانسانية و الاجتماعية.
«الخطاب» عبارة عن مجموعة المفاهيم المرتبطة ببعضها و الخاصة بانتاج حقيقة معينة و الدفاع عنها. 

وللأسف فانما نشهد اليوم خلطاً بين نظرية «الخطاب» ( discourse) و الحوار (dialogue) فاستخدمت كلمة الخطاب (في الفارسية ) بمعني الحوار و التفاهم الفكري. و الحال ان الخطاب أو نظريات الخطاب تختص بانتايج و تأسيس الحقائق و التعاليم الجديدة في الميادين الاجتماعية المختلفة( و في ظروف و احوال معينة).
 
و عليه فان الدكترين يختلف عن الخطاب ايضاًً ، و قد تجتمع دكترينات و ايديولوجيات عدة لتكون خطاباً أو خطابين. فمثلاً: البحوث و النظريات المطروحة في مجال صراع الثقافات و الحضارات ادت الي غلبة «خطاب صراع الحضارات» علي الصعيد الدولي. ان فكرة المهدوية تعليمة شاملة و جامعة و كاملة و متعددة الابعاد. و التعابير المذكورة باستطاعتها الاشارة الي جزء من حقائقها، بل ان استخدام بعضها (كالايديولوجيا ذات المضمون السلبي) غير صحيح بالنسبة لأطروحة المهدوية . اذن يمكن استخدام «خطاب المهدوية» ولكن لن يكون القصد منه عموم فكرة المهدوية ، انما المراد هو بعض تعاليم المهدوية و مفاهيمها التي تنتج و تشرح في ظروف خاصة(كخطاب العدالة و خطاب المعنوية و ...)
كما يتسني استخدام تعبير «النظام المهدوي» ، بيد أن المراد منه ليس جميع تعاليم المهدوية و افكارها ، انما المقصود جملة اصول و تعاليم متناسقة و متناسجة ترمي الي هدف محدّد (كالنظام السياسي ، و النظام الاقتصادي و النظام الاجتماعي المهدوي). 

و بالتالي فان«فكرة المهدوية » هي تبع للمدرسة الاسلامية و لا تقدم بمفردها مدرسة جديدة. هذا مع أننّامن الناحية السياسية يمكي ان نقرر للمهدوية مدرسة جديدة (احياء التعاليم الدينية الاصيلة ) لكنها لن تعبر ايضاً عن كافة تعاليم المهدوية. 

المدرسة السياسية المهدوية لها توجهاتها و نظرياتها و اهدافها الخاصة التي لانجد معظمها في سائر المدارس السياسية. 

ما المقصود بدكترين المهدوية و ما هو المعني المراد منها؟

د.
  نجف لك زايي:
استخدام مصطلح «دكترين المهدوية » في الوضع الراهن للشيعة و بالنظر لمفهوم «الدكترين» هو استخدام مجازي اكثر منه استخداماً حقيقياً . 

فكما سبق ان اشرنا، يمكننا الحديث عن الدكترين حينما نحول اركاناً فكرية و اصولاً عقيدية مقبولة الی سياسة و منهاج . اننا لم نجترح لحد الآن معرفة صحيحة لفكرة المهدوية ... معرفة يتنفق عليها النخبة عندنا، و لا سيما النخبة المندکون بالحياة الملموسة العينية . ترتدي المهدوية ثوب الدكترين حينما تصل النخب الفكرية المتوضعة في مواقع القيادة و المسؤولية الشيعية الي معرفة ميدانية و تطبيقية لها، و يجعلون تحقيقها سياستهم الرئيسة. 

هذا الأمر سيؤدي الي العمل الجاد لتمهيد الارضية اللازمة لتحقيق هذه الفكرة. 

اذا كانت غيبة الامام المنتظر منوطة بنا نحن البشر علي حد تعبير الخاجة نصيرالدين الطوسي، إذن علينا التفكير فيما يجب ان نفعله لرفع عقبات الظهور؟ اذا قلنا ان من اللازم حصول انتظار علي المستوي العالمي لأجل تحقق الظهور، فسيكون السؤال التالي: كيف يمكن ان نمهد ارضيات هذا الانتظار؟ هل يفكر الشيعة اليوم بادارة العالم؟
و هل يتحلّی الشيعة اليوم بالقدرة علي ادارة العالم؟ لننظر الي المناطق التي يسكنها الشيعة ، هل تدار هذه المناطق بشكل صحيح ؟ و اذا كان الجواب سلبياً فستكون النتيجة انهم ليسوا قادرين بعد علي ادارة العالم . و الامام المهدي (عج) سيشكل حكومة عالمية ، و يحتاج لأجل ذلك الي اعوان و انصار. 

اين هم هؤلاء الاعوان و الانصار؟
لاتزال هذه الامور غير واضحة . اذن لم نستطع لحد الآن ان نبدل فكرة المهدوية الي دكترين. تتحول الفكرة الي دكترين حينما تتضح قواعدها العلمية. 

د. بهرام اخوان كاظمي:
رغم اني لااوافق استخدام كلمة دكترين للتعبير عن الفكرة المهدوية، لكن قصد الذين استخدموا هذا التعبير علي كل حال هو التعاليم الخاصة بالامام المهدي (عج) والتي تطرح تفسيراً استراتيجياً للميادين الرئيسة في الحياة الانسانية كعلم الانسان، و السياسية، والاقتصاد، و المجتمع ، و نظام الحكم، و العلاقات الدولية و ... الخ أي انها في الواقع فكرة و اسلوباً مثالياً و ممكن التحقيق في الوقت نفسه و شمولي لانقاذ الحياة البشرية و تحسينها بناء علي احياء الاسلام النبوي – العلوي و تجديده. 

حجة الاسلام رحيم كارگر:
بالنظر لمفهومي الدكترين المتمايزين. ينبغي ان يستخدم هذا المصطلح بدقة و احتياط اکبر المعني الشائع لدكترين هو افكار و منهج الساسة في الشؤؤن السياسية. و غالباً ما تذكرنا هذه المفردة بالدكترينات التي طرحها رؤساء الجمهورية الامريكيون و عدد من رؤساء سائر الدول. في مثل هذه الحال فإن استخدامها للتعبير عن «فكرة المهدوية الشاملة الجامعة» لن يكون خطا و حسب، و نما سيهبط بمكانتها السامية و قيمتها الهائلة و يجعلها في مصاف الدكترينات المطروحات في ميدان العلاقات الدولية. اما اذا اخذنا الدكترين بمعني مجموعة العقائد التي تؤلف منظومة من النظريات الدينية و الفلسفية و السياسية. أو اذا اعتبرناها نظرية و تعاليم علمية و فلسفية و سياسية و دينية و مجموعةٌ من النظم الفكرية تقوم علي اساس اصول معينة. عندئذ يجوز لنا استخدام عبارة دكترين المهدوية. و سيكون المراد منها نظرية جامعة متكاملة لتشكيل مجتمع مثالي. و تفسير عام لمختلف مناحي الحياة. 

ان اطروحة «دكترين المهدويةـ مناسبة و محمودة جداً. فتعاليم المهدوية لم تطرح لحد الآن الاّ بشكل محدود و محلي. و منه الضروري ان تقدم هذه التعليمة الراقية بنحو عالمي و دولي لكل المحافل العلمية و الجامعية في العالم. 

من اساليب طرح الفكرة المهدوية بيان مفاهيمها و قضاياها بلغة علمية. و طبعاً فإن مصطلح «دكترين» يعدم القدرة الكافية لعرض جميع تعاليم المهدوية و ينبغي استخدام و مصطلحات اكمل و اكثر اسلامية (و ليس المصطلحات الغربية). و مع ذلك يمكن طرح جزء كبير من المعارف و التعاليم الوحيانية المهدوية بقوالب علمية منتظمة و دراستها من زوايا و ابعاد مختلفة، و هذا ما يمكن استخدام مفردة دكترين للتعبير عنه. المهم هو تجاوز الاساليب و الاطار التقليدية و المحلية و الاقتراب من الاساليب العلمية و المنطقية. و علي هذا، ينبغي لدكترين المهدوية أن تلبي المطاليب و الخيارات التالية: 

الف ـ تصحيح العلاقة مع الله (تحقق العبودية و العبادة).
ب ـ تنظيم علاقة الانسان بنفسه (تحقيق المعنوية و العقلانية و الكمال).
ج ـ تهذيب علاقة الانسان بالآخرين (تحقيق العدالة و الأمن و المحبة).
د ـ تنظيم علاقة الانسان بالطبيعة (تحقيق التقدم و التنمية و الاستخدام الصحيح للطبيعة)
و سيكون منه ثمار العناية بالافكار الاربعة اعلاه وصول الانسان الي الكمال و التسامي المادي و المعنوي، و هو ما لم يتحقق لحد الآن.

ما هي منزلة دكترين المهدوية في التعاليم الاسلامية؟ 

د.
  نجف لك زايي:
دكترين المهدوية بمعناها الاصلي و الدقيق تضع امامنا افقاً مشرقاً. و تحررنا من الكسل و انعدام الحوافز و التيه و العبثية و اللاهدفية و غياب البرمجة و اللانظام و التخلف و الأمية و قلة التعليم و قلة القدرة و الضعف و العجز و عدم التدبير و العلم بلا عمل و الابتعاد عن متطلبات الزمان و المكان و الانفعال السياسي و الاقتصاد و الثقافي و... الخ. و اذا لم يكن هذا هو الواقع اليوم فلأن المهدوية لا تزال فكرة كلامية للغد لا يراد لها أن تؤثر في الواقع و الحاضر. اذا تحولت هذه الفكرة الي دكترين فسيكون معناها انها فكرة عندنا المراد منها أن تاخذ بأيدينا و تنتقل بنامن اليوم الي الغد كيفية الانتقال من الواقع الراهن الي الوضع الموعود و المجند، و الذي يسمي عصرياً «الافق. هي الرسالة الرئيسة لدكترين المهدوية. 

كما ان الشيعة يستمدون الحركة و النشاط و الشعور و الفاعلية من المدينة النبوية و السياسة العلوية. و ينظمون حياتهم عبر التأسي بهذه النماذج الراقية، كذلك يحترزون بالاعتصام بالمدينة المهدوية من المراوحة في الماضي و يتعلمون التحول و التجدد و الحركة المستمرة و «الصيرورة». 

د. بهرام اخوان كاظمي:
مثلما أن العديد منه المدراس الفكرية و الدينية اليوم تؤمن بالمصلح العالمي و المدينة الفاضلة و اليوم الموعود و المخلص و الألفية، كذلك في التعاليم الاسلامية و في آراء العيد منه الفرق المسلمة، يتمتع النظام الفكري و التنفيذي المهدوي بمنزلة و مكانة سامية مميزة. و مع ان مفكرين مثل ابن خلدون و غيره سجلوا حولها شبهات غير ناهضة، بيد أن هذه العقيده موجودة بقوة في الطيف الأوسع من الفرق الاسلامية. و من البديهي ان تكون هناك اختلافات و فوارق حولها و هي في الغالب فوارق عقيدية أو قد تتعلق بشخص المنقذ أي الامام المهدي (عج). فمثلاً هنالك خلافات حول الرجعة، و هل أن المهدي سيولد في المستقبل ام امة ولد و لا يزال حياً غائباً ؟ بعض الفرق السنية و خلافاً للعقيدة الشيعية، تري أن المهدي سيولد في المستقبل. و الفرقة الزيدية و هي من الفرق الشيعية تعتقد ان الامام يجب ان يكون قادراً علي الحرب و الدفاع، لذلك فهم لا يقبلون المهدي الغائب اماماً كما لا يؤمنون بالامام اذا كان صغير السن. و لكن في كل الاحوال يبقي الاعتقاد بالمهدي من المعتقدات الضرورية في الاسلام و عند الشيعة بخاصة، فخاتمية الرسالة الاسلامية و تكاملها النهائي منوط بظهور المهدي الموعود ، و به تكتسب الخاتمية الحاسمة لهذا الدين معناها الصحيح . 

حجة الاسلام رحيم كارگر:
بالمستطاع النظر لهذا السؤال منه شرفات عدة، منها:
1 ـ التعاليم الاساسية في الاسلام: بحسب الدين الاسلامي فإن الايمان بالمهدوية من الأمور الضرورية الواجبة، فجميع الاهداف و المثل الاسلامية ـ بل و اهداف الاديان السابقة ايضاً ـ و تشكيل مجتمع يتحلي بالفضائل و الکمالات و تينره عن الرذائل و السلبيات، أمور غير متاحة الا في ظل ظهور المهدي الموعود(عج) و ثورته و تشكيل دولته العالمية.
تبتنی هذه الرؤية علي آيات القرآن الكريم و الروايات النبوية الصحيحة المتواترة، و التفاسير المختلفة و المتماشية مع تعاليم سائر الاديان الابراهيمية و المتفق عليها منه قبل كافة الفرق الاسلامية. بل ان الروايات النبوية تفيد كفر منكرها. و بالتالي فان أصل «فكرة المهدوية» مقبول لدي جميع المسلمين، الا أن عرضه علي شكل دكترين ـ من قبل هذه الفرق ـ يواجه صعوبات جمة. 

2 ـ وجهات نظر المسلمين: تختلف الفرق الاسلامية حول بعض معارف و تعاليم «الفكرة المهدوية» فهي تنظر لها بدرجات متفاوتة من الشدة و الضعف و الوضوح و الغموض. و هذا التباين في الرؤية (خصوصا بالنسبة لشخص المهدي الموعود و عدم الرجوع لاهل البيت لاجلاء فكرة المهدي اكثر) جعل اهل السنة لا يتوفرون علي رؤية شفافة و واضحة و متعددة الابعاد في هذا الصدد، فتطرقوا فقط الي اصلها و بعض خصائص عصرالظهور و علامات آخر الزمان!! و بالتالي سيكون عرض «دكترين المهدوية» انطلاقاً من وجهة نظرهم عملية صعبة تعتورها العديد من حالات الغموض و الالتباس. 

علي ان الحال بالنسبة للشيعة مختلفة تماماً . فبالنظر لاحاديث اهل البيت الغزيرتم عرض الفكرة المهدوية بصورة واضحة و متعددة الابعاد الي حدما، لذلك يمكن الاستعانة بالافكار المختلف المطروحة بشأن هذه العقيدة لعرضها علي المجتمع العالمي تحت عنوان «دكترين المهدوية» . و بالاضافة الي هذه الروايات و التفاسير، يمكن اجتراح دراسات فلسفية و تجريية لشرح هذه الاطروحة بنحو افضل و اكمل، و هو ما سنشير اليه في معرض الاجابة عنه السؤال اللاحق. 

هل دكترين المهدوية نظرية في فلسفة التاريخ أم الفلسفة السياسية، أم المراد منها عقيدة كلامية؟ 

د. 
  نجف لك زايي:
دكترين المهدوية فلسفة تاريخ، و فلسفة سياسية، و عقيدة كلامية في الوقت نفسه. هذا الأمر يرجع الي زاوية نظرنا و رؤيتنا و مستوي فهمنا و تفكيرنا. لاجدال في كلامية الاطروحة المهدوية، فهذا ما يعترف به الجميع. و لكن لماذا نقول انها فلسفة تاريخ؟ لأنها اطروحة تجيب بصورة مميزة عن الاسئلة الاساسية في فلسفة التاريخ النظرية. فما هي الاسئلة الاساسية في فلسفة التاريخ؟ انها اسئلة تتعلق ببداية التاريخ و الوجود، و غاية التاريخ و الوجود، و العامل المحرك للتاريخ.
لفكرة المهدوية في التعاليم الاسلامية مستويات مختلفة. آخر مستوياتها و هو مستواها العقلاتی يعد قضية كلامية هي الايمان بظهور الامام الثاني عشر بقية الله الاعظم(عج). لكن المهدوية بمستواها العالم عبارة عن خلق الوجود و هدايته من قبل الله تعالي الذي أمر لأجل هداية البشر الانبياء (المستوي المتوسط لفكرة المهدوية و الهداية) و الاوصياء (المستوي العقلاتی للمهدوية و الهداية) و الاولياء (نواب التفكير المهدوي و هداة الامة في عصرالغيبة). 

الله هو خالق الوجود و هو نقطة البداية في هذا الوجود و المحرك الأول للتاريخ و الوجود. الانسان موجود متحرك امامه طريقان هما طريق الحق و طريق الباطل، و ذلك بأمر و مشيئة من الخالق «انا هديناه السبيل اما شاكراًً و اما كفوراً». الهداية الالهية التي توفرللانسان عن طريق النبي و الوصي و الولي تعين الانسان لكيلا يتجه لطريق الباطل. و من هنا يمكن القول: بما ان فكرة المهدوية تحدد نظام الحق و الباطل السائد في الوجود، و تحت كذلك حركة الانسان و منطلقها و غايتها و المحرك و المتحرك، فهي اداً فلسفة تاريخ جامعة مانعة. انها «فلسفة صيرورة» لاتدانيها أية «فلسفة صيرورة» اخري، شريطة ان تتحول فكرة المهدوية الي دكترين، و عندها نكون مضطرين للنظر اليها كفلسفة تاريخ.
ولكن، لماذا بعد ذلك نعتبرها فلسفة سياسية؟ لأن الفسلفة السياسية في افضل تفسير لها التاريخ سينتصر الحق و تنعم البشرية بالسعادة و الرفاه: 

«الفلسفة السياسية» نشاط فكري و ذهني غايته معالجة القضايا و الصعوبات الاجتماعية و السياسية و حلها و التغلب عليها، و هي محاولة الاكتشاف حقائق الحياة السياسية. و تطلق كذلك علي الافكار و الطروحات التي يقدمها المفكرون السياسيون علي مرّ التاريخ جواباً علي المشكلات و القاضايا السياسية. و لا ر يب ان دكترين المهدوية ليست فلسفة سياسية و لا حتي جزءاً من فلسفة سياسية، بل ان دكترين المهدوية أوسع حتي من أن تكون عقيدة كلامية. رصيد هذه الفكرة الرئيسة المتجذرة هو تعاليم الوحي القيمة و التجارب البشرية المتنوعة و افكار و تأملات بعض المفكرين و العلماء. اذن، الفلسفة السياسية تنتهل من معارف «المهدوية» الوحيانية و تخوض في تحليل هذه الاطروحة. و بمستطاع المفكرين السياسيين من اجل حل المشكلات و النواقص الاجتماعية ـ و في العصر الحاضر خصوصاً ـ أن يجعلوا الفكرة المهدوية محوراً فيقدموا بذلك افكارً و مناح غير مسبوقة. ان الالحاد و الفساد و الجور و الحروب و التمييز و الظلم و مناهضة الدين و التهرب من المعنوية، و انعدام الامن و ... الخ من مشكلات و صعوبات الحياة الانسانية، بيد أن أياً من المفكرين و الجماعات و المدارس لم تستطع لحد الآن عرض مشروع متكامل جامع للتغلب علي هذه الصعوبات!! و دكترين المهدوية هي ذلك المشروع و التفسير الجامع و الكامل لكل المشكلات الانسانية، و هو ما سنشير اليه في الاجابة عن الاسئلة الآتية. 

تروم الاجابة عن سؤالنا حول افضل غاية و افضل نظام اجتماعي للوصول الي الخير و المهدوية هي افضل نظام سياسي و افضل نظام للوصول الي افضل خير و غاية. و القوانين المجندة و العادلة، و البني المجندة و العادلة، و المدراء العدول، و السلوكيات العادلة و بالتالي النظام السياسي العادل، موجودة كلها في دكترين المهدوية، و هكذا فإن الاسئلة الخالدة في الفلسفة السياسية كالسؤال عن العدالة و القانون و السلطة و السعادة و الأمن و الحرية و الفضيلة تجد جميعاًٌ اجوبتها الشافية في فكرة المهدوية.
 
د. بهرام اخوان كاظمي:
إن اختزال الثورة المهدوية الي نظرية أو فلسفة في التاريخ ليس سوي تصغير لهذه النهضة الاصلاحية الشاملة في المجتمع البشري. فالنظرية في افضل احوالها تنم عن دراسة مبرهنة أو صور و فرضيات ثابتة حول الماهية الواقعية للاشياء و علاقات العلية بين الظواهر، و هي في الواقع محاولة لعرض بين لعلاقات العلية بين الظواهر و المتغيرات، فتسعي هذه النظرية ان يكون لها قدرة علي التكهن و استشراف المستقبل. و من البديهي ان الاثبات المتكرر للنظرية سيجعل منها قانوناٌ علمياً يشي بأصول كلية حول علاقة حتمية و قاطعة و دائمة بين المتغيرات، و المتأتية عبر مشاهدة الحقائق أو العمليات المنطقية. في حين ان فكرة المهدوية سواء علي المستوي النظري أو علي المستوي العملي تعد أوسع بكثير من نظرية أو عدة نظريات غير عامة و محدودة، بل هي أوسع و اشمل حتي من القانون العلمي، فهی تتسع لکثير من الحقايق و الوقائع و كشف العديد من مجاهيل العالم البشري و طيف الخلقة. طبعاً بالنظر الي أن مباحث الامامة تطرح عادة في اطار علم الكلام، لذا يمكن عد الفكرة المهدوية ـ لا من باب الحصر ـ ضمن فئة المعتقدات الكلامية، رغم أن الكثير من المجالات العلوم الاسلامية تؤازرها و تدعمها. 

حجة الاسلام رحيم كارگر:
دكترين المهدوية بالنظر لتعريفها المقبول تشمل هذه المقولات المطروحة في السؤال (أي انها اوسع من ثلاثتها) بمعني ان بالامكان توظيفها لغرض تبيين افضل و امل لهذه الدكترين و تعزيز دعائمها و اركانها. ان دكترين المهدوية منحني حديث و جامع في قضية نهاية التاريخ و ظهور المنقذ الموعود التي تشتمل علي نظريات دينية و فلسفية و سياسية و... الخ. تتولي فلسفة التاريخ اجلاء اهداف التاريخ و غاياته و المراحل الوسيطة فيه و قواة المحركة و اكتشاف قوانينه و نظمه التي تسود حركته. ان بوسع فلسفة التاريخ و عبر رؤية فلسفية علمية لحركة التاريخ ( و بمعونة الوحي و الفكر و التجربة) اثبات تحقق دكترين المهدوية بنحو منتظم في المستقبل.
طبقاً «لفلسفة التاريخ المتعالية» فإن العالم يتحرك بالضرورة صوب الله (و هدفه هو القرب الي الله و تحقيق العبودية الكاملة للانسان) و ثمة في هذا الطريق صراع و نزاع دائما بين الحق و الباطل و القوي الالهية و الشيطانية، و بظهور المهدي الموعود(عج) في نهاية. 

ما هو دور دكترين المهدوية في العالم المعاصر؟ و كيف يمكنها ممارسة دورها الي جانب بقية النظريات؟

د.
  نجف لك زايي:
ان دكترين المهدوية بشرط تدوينها المناسب و عرضها المناسب، يمكنها ان تلبي عطش الانسان المعاصر و ترويه. و انا اعتقد ان هذا المضمون الجميل اذا عرض علي البشر المعاصر بقوالب و اشكال جميلة، فيكون الحل لمشكلاته وازماته، ما سيؤدي الي تحقيق الانتظار لظهور المهدي علي مستويات عالمية. لنراجع مرة اخري التعاليم الاساسية في المهدوية لنري ما هو حكمها من هذه الناحية؟ انها: العدالة الشاملة. الأمن الشامل. السلام الشامل. الفضيلة. محق الفقر و الفاقة. محو الظلم و الجور. محو الفوارق غيرالمعقولة الاقتصادية و الثقافية و السياسية. تحرر الانسان من كافة القيود التي تكبل فكره و جسمه. و تأمين الحقوق الاساسية للانسان و... 

اية هذه التعاليم غير جذابة للانسان المعاصر أو غير ذات صلة بمشكلاته؟ ألايعاني الانسان المعاصر من نظام ظالم يسود العالم تحت لواء مجلس الأمن الدولي و منظمة الأمم و حق الضيق؟ ألا نعيش اليوم استبداداً عالمياً؟ ألا نشهد حالياً تفاقم فقر الجنوب في مقابل تنامي ثروات البلدان المتقدمة نتيجة نهب ثروات البلدان الفقيرة؟ ألسنا نعيش اجواء اللاعدل، و الحرب، و الفقر، و انعدام الأمن، و الظلم العالمي الشامل؟ 

إن عرض فكرة المهدوية للانسان المعاصر لها مقتضيات منها:
1 ـ المعرفة الدقيقة بمشكلات الانسان المعاصر في ابعادها السياسية و الاقتصادية و الثقافية و الاجتماعية و الاخلاقية و... علي المستويات الوطنية و الاقليمية و العالمية. 
2 ـ المعرفة الصحيحة لفكرة المهدوية في الابعاد اعلاه.
3 ـ عرض فكرة و دكترين المهدوية في الابعاد اعلاه و بقوالب مناسبة لكافة الاعمار و الشرائح و المناطق و الثقافات المختلفة.
يقول جلال الدين الرومي في أحد ابياته: فكرة واحدة تلج الباطن قد تقلب مئة عالم في لحظة واجدة. 

د. بهرام اخوان كاظمي:
ثمة في العديد من الاديان الالهية و البشرية و المدارس الفكرية انماط متنوعة من الايمان بالمنقذ، و بالألفية، و بالموعود، و بالمدنية الفاضلة ، و بالمصلح العالمي. و حتي في العالم المعاصر فإن مثل هذه المعتقدات لاتزال تطرح بقوة . و قد كان العالم الغربي في اطار معتقداته المسيحية يؤمن ظهور ثان للسيد المسيح، و يروج لهذه العقيدة بقوه و حماس في مواعظه و توصياته. لذلك فإن طرح فكرة المهدوية في مناخ القرن الحادي و العشرين ليس مستبعداً ابداً ، بل ان الكثيرين بانتظار مثل هذه الفكرة و المثل الاعلي و يردون التعرف اكثر علي مكامن و ابعاد هذه الفكرة. و من البديهی ان التبار العارم للصحوة الاسلامية و النزوع الي الاسلام في العالم و الاقبال المتصاعد علي هذا الدين عالمياً الي درجة افزعت حتي المسؤولين الكنسيين و الساسة الغربيين، ضاعف من دور فكرة المهدوية و لابد من العكوف علي التبليغ و التنوير اللازم في هذا المجال بأدوات اعلامية ناجعة و حديثة. و واضح انه في عصر نهاية الايديولوجيات و سقوط الماركسية في بداية التسعينات و الازمات المتتابعة التي منيت بها الليبرالية الديمقراطية، اكتسبت فكرة المهدوية درجة اعلي من قابلية الطرح العالمي و استقطاب المخاطبين من مختلف ارجاء المعمورة. 

حجة الاسلام رحيم كارگر:
شهد العصر الحديث انبثاق العديد من النظريات في الحقول السياسية و الاقتصادية و الثقافية و ... و من ابرزها نظرية التيار الثالث (الوين توفلر) و القرية العالمية (مارشال مك لوهان) و صراع الخصارات (صاموئيل هانتينغتون) و نهاية التاريخ و الانسان الاخير (فوكوياما) و نظريات العولمة و التعولم (روبرتسون، و هابرماس، و غيدتز و...) و نظرية العدالة (جون راولز) و الاتجاه الاحادي (دكترينات رؤساء الجمهورية في امريكا) و توازن القوي و ... الخ. الأمر الجلي هو أن هذه النظريات و الطروحات لم تستطع تلبية كل متطلبات و حاجات الانسان بابعادها المختلفة، إذ ان مشكلات المجتمعات و ازماتها تزداد يوماً بعد آخر، و تعاني هذه النظريات نفسها من تناقضات و نواقص عدة. النظرية الجامعة الكاملة يجب ان لا تكون «قطاعية» تعنی بقطّاع معين من المجتمع البشري، و لابد لها أن تستطيع تأمين العدالة للانسان، و لا تعاني من تناقضات داخلية، و ممكنة التحقيق عملياً و قد كانت معظم تلك النظريات قطاعية جزئية لا توفر العدالة للجميع، كما انها لم تتحقق عملياً اضعف الي ذلك أن تنوعها و تعددها دليل علي عدم صحتها. 

اما دكترين المهدوية فليست بالاطروحة القطاعية، لأنها تحمل برامج و خططاً متكاملة و شاملة و جامعة لكل المجتمع البشري، و من ابرز افكارها تحقيق المعنوي، و العدالة، و لا تنطوي علي تناقضات داخلية و لها امكانية عالية علي التحقق العملي بتوفر ظروفها و شروطها اللازمة. و بهذا، فإن ظاهرة العولة و تحقق العديد من التمهيدات الثقافية و العقيدية و الاقتصادية من شأنها ان تمارس دوراً بارزاً في فهم و قبول دكترين المهدوية و تحقق المجتمع الموعود. 

مضافاً الي ذلك فإن الميول المتزايدة عالمياً نحو عقيدة المنقذ و الموعود في مختلف البلدان و الاديان ـ بدرجات متفاوتة من الشدة و الضعف طبعاً ـ و فرت فرصةً اضافيةً لعرض و انتشار دكترين المهدوية. 

هل بمقدور دكترين المهدوية الاجابة عن اسئلة الانسان و المجتمعات في شتي الميادين قبل عصر الظهور؟

د.
  نجف لك زايي:
هذا أمر محتم بالنسبة لفكرة المهدوية. و بغير ذلك يجب القول ان فكرة غير مفيدة دخلت الي المنظومة الفكرية الاسلامية. ولكن ينبغي التفطن الي أن قدرة الفكرة علي الاجابة عن اسئلتنا شيء، و قدرة المؤمنين بهذه الفكرة علي انتزاع هذه الاجابات، و مبادرتهم ـ في حال قدرتهم ـ الي مثل هذه العملية بنحو مؤثر شيء آخر. 

و لا مراء ان فكرة المهدوية قد منيت بابين المؤمنين بها بأضرار و خسائر كبيرة.
اولا: ينبغي تلخيص هذه الفكرة من اضرارها و الآفات التي لحقت بها.
ثانياً: لابد من عرضها بشكل صحيح.
ثالثاً: ينبغي تبديل هذا العرض الي دكترين.
رابعاً: لابد من تعريف الآخرين بهذه الدكترين.
و من البين طبعاً ان معرفة اسئلة الآخرين بمقاسات و مستويات صحيحة هي الخطوة الاولي للاجابة عنها. ان دكترين المهدوية هي دكترين الاسلام لمستقبل المبشرية، و الاسلام هو الذي يشبع حاجات البشر في كل الاعصار و الامصار، و ما اجمل قول الشاعر:
(الاسلام في ذاته لا عيب فيه، انما كل العيب في اسلامنا نحن)
السبيل الوحيد هو العمل بنحو صحيح و مبدئي و الحيلولة دون وقوع الضرر من أي الجهات وقد. 

(اذا دسست رأسك في جيب التفكير استطعت قضاء الواجبات الماطية).

د. بهرام اخوان كاظمي:
الامر المفروغ منه هو قدرة الفكرة المهدوية في اساسها و اصلها و بالنظر للمصادر و الكنوز الاسلامية العظيمة، علي تلبية المتطلبات الانسانية المتراكمة في مختلف الميادين و الصعد. علي ان جزءاً كبيراً من هذه القدرة كامن و مودع بالقوة، و لابد من تحليل هذه الفكرة نظرياً و عملياً و تفسيرها بروح عصرية، و اخضاع آلاف الاحاديث للتنويرو التفسير النقدي، و الاجابة عن الشبهات المتعددة المطروحة حول هذا الموضوع و استبعاد الاحاديث الضعيفة و غير الموثوقة، و اعادة النظر في احاديث عصر الظهور في ضوء الميادين الجديدة للحياة الانسانية السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و ... الخ و متطلبات الزمان و المكان، و تقرير مصاديق جديدة لهذه الاحاديث، و تشخيص مميزات الحكومة المهدوية العالمية و سماتها، و فترة هذه الحكومة، و وضعية سائر الاديان و الاقوام و حقوق الاقليات، و نوع هذه الحكومة، و مكانة الجمهورية الاسلامية فی عصر الظهور ما قبه، و طريقة تعامل الامام المهدي مع العرب و الفرس و القوميات الاخري، و درجة لجوئه الي القوة أو الي الاقناع و الجدل بالتي هي أحسن، و معرفة الشخصيات و التيارات الايجابية و السلبية في عصر الظهور و المصاديق المعاصرة لاتباع و اعداء الحكومة المهدوية. فعلي سبيل المثال ينبغي تحديد فترة حكم الامام المهدي، حيث جاء في بعض الاحاديث الموثوقة بطرق مختلفة انها بحدود 10 سنوات أو 20 أو 70 أو 90، و ورد في احاديث اخري ان كل سنة من سنوات حكمه تعادل عشرة اعوام من الاعوام الطبيعية، و ايضاً : ههل سوف يستشهد الامام المهدي في نهاية أمره أم يتوفي حتف أنفه؟ الاحاديث و الروايات الواردة بهذا الشأن قد لا يكون واضحة. و لعل من ابرز اسباب عدم الوضوح هذا أن الائمة الاطهار لم يكونوا قادرين ابان ظروف الاستبداد و الجور التي عاشوها علي تحديد كافة زوايا و جوانب الحكومة العالمية الموعودة. أو أن الحساسية السياسية لمثل هذه الاحاديث اضطرت الرواة الي كتمانها بانحاء مختلفة الأمر الذي اسفر بمرور عن ضعفها و تفاوتها. 

وبالنظر لظهور مسائل مستحدثة و جديدة، فمن الطبيعي ان يكون تطبيق تلك الاحاديث علي الموضوعات الجديدة عملية غير يسيرة، و من المناسب ان تعكف اقسام بحيثة و حلقات دراسية واسعة علي التدبر في هذا الأمر، و ابتكار كراسي علمية تأسيس فروع ذات صلة بهذه الموضوعات في الحوزات العلمية و الجامعات، و تأليف مئات الكتب و الرسائل الجامعية حول هذه الافكار لنقلها من الحالة الانشائية و الادبية و الجمالية أو الاغترابية أو اساليب المديح و الثناء الصرف الي حالة استدلالية واضحة، و عرض مواقف الحكومة العالمية للامام المهدي(عج) و خصائصها بنحو جلي و شفاف. و طبعاً بالنظر الي أن حكومة المهدي استمرار و تتمة و تكملة للرسالة النبوية و الامامة العلوية، فإن هذا التنوير يجب ان لا يقتصر علي الاحاديث الخاصة بزمن الامام المهدي(عج)، انما يجب البدء بنهضة احياءو تجديد الاسلامية المهدوية في العصر الحاضر ايضاً، و محاولة اظهار الوجه الحقيقي و الانساني و المتعالي للاسلام (و لا سيما التشيع) لكل المسلمين و لكل الناس في العالم، و ترويج ذلك و تشذيبه من الشبهات و الاكاذيب و الاتهامات الخاطئة و الخرافات و الجهل و الترسبات الملصقة به من قبل المعانديه أو الجهلة. واضح أن قدرات الاسلام و الفكرة المهدوية علي تلبية متطلبات الانسانية ستتجلي اكثر في مثل هذه الحالة، و سوف تتضاعف ميول البشرية نحو هذه الحياة الطيبة الموعودة في القرآن.

حجة الاسلام رحيم كارگر:
دكترين المهدوية بوسعها الاجابة بكل وضوح عن الاسئلة الاساسية لدی البشر شريطة ان تعرض بنحو صحيح و واقعي ينبغي تمييز الخطوط الرئيسة عن الخطوط الفرعية في هذه الدكترين، و تشخيص الهدف الرئيس من ظهور المنقذ الموعود. 

يبدو ان الهدف الريس من ثورة المهدي الموعود البلوغ بالانسان مرتبة الكمال و الرشد الاخلاقی و احياء النفوس الميتة. من هنا فإن مهمته الرئيسة و الإهم هي تزكية البشر و تربيتهم و رفع مستوي علومهم و معارفهم و عقلانيتهم و احياء المجتمع. انه يحيي المجتعات الميتة و يزيد من وعيها و علمها . و بعد أن يتعالي مستوي العلم و البصيرة لدي البشر سيتجهون من انفسهم نحو العدالة و الأمن و العبادة و العقلانية و التقدم. المشكلة الأهم عند الانسان هي انعدام البصيرة و العلم و التزكية! فإذا كان الانسان مهذباً عقلانياً لن يظلم و لن يجور و لن يفسد و لن ينحرف و لن يطغي و لن يعصي، و لن يغمط حقوق الآخرين، و لن يعيش حالة الاضطراب و اللا أمن و ... (اذا قام قائمنا وضع يده علي رؤوس العباد فجمع به عقولهم و اكمل به اخلاقهم) هذه هي الوظيفة الأولي و الأهم للمهدي الموعود(عج) و في ظل هذا الاحياء و التكميل سيخوض في بقيه الأمور و المهام و سيبادر هو و خلص اصحابه بكل ما اوتوا من قوة لتطبيق العدالة و القسط و توفير الهناء و الأمن و التنمية و التقدم الشامل و تحقيق المعنوية و العقلانية و... الخ و سيعمل الناس دورهم لخدمته بكل جد و اخلاص. 

و بذا ستزخر الأرض بالنور و العدل و القسط و الحكمة (يملأ الارض عدلاً و قسطاً و نوراً و برهاناً) . بناءً علي هذا ربما كان للبشرية في الوقت الراهن علاوة علي اخفاقاتها الكثيرة، اسئلتها و متطلباتها و حاجاتها المتنوعة التي لايمكن صياغة الحلول لها الا~ في ظل التأمل و التعمق و التفكير في الروايات الخاصة بالمهدوية و الآيات المتعلقة بنهاية التاريخ و تفسيرها. و ثمة في هذا الصعيد الكثير منه المباحث و الموضوعات تحتاج الي التعمق و البحث العملي الموسع، منها علي سبيل المثال: دولة المهدي، بنية هذه الدولة و هندستها، منبتها و منشؤها، طريقة التعامل و التواصل مع الجماهير في العالم، نوع الحكومة و وجود قوي مختلفة، و الاداء القضائي و السياسي و الأمن و الاداري و الاقتصادي و العمراني و... الخ و منه الضروري للباحثين في قضايا المهدوية ـ فضلاً عن الخبرة و التعمق في الفكرة المهدوية ـ ان يتعرفوا علي التطورات الحديثة في العلوم الانسانية، و تقديم اعمال جديدة وقيمة باستخدام المناحج البحثية المناسبة.
 
و بالتالي فإن التعرف علي الحاجات الحقيقة للانسان و النواقص التي يعانی منها المجتمع البشري يجب ان يكون الدليل المؤثرفي اجتراح حلول الواقعية تتلأئم مع هذه الحاجات و النواقص، كما لابد من اجتناب المنحي القطاعي في هذا الصدد. و في هذه الحالة يمكن لدكترين المهدوية ان تلبي مطالبات الانسان و تعالج مشكلاته في كل الادوار و الازمنة (لا في عصر الظهور فقط). المهم هو أن نشخص الاهداف و البرامج الرئيسية للمهدوية و نعرضها علي المجتمع الانساني.